Monday, August 3, 2015

الوحيدة التي قالت "نعم" بحُب

الوحيدة التي قالت "نعم" بحُب

نَرِنُّ جرس المكتب، و بعد فتحه كانت هي بذاتها تُرحّب مع إرسال الأحضان و القُبلات الحارّة، فهذا أول ما تراه منها مع قلب شرح و إبتسامة تملأ خطوط العرض و الطول بجمالها. و هُنا بدأت الكارثة!
{الدرس الأول: التواضع}

—————

منذ خمس سنوات أثناء عملي في منظمة بريطانية حين بدأت كارثتي الأولى في الحياة عندما رأيت معظم مبادئ و قيم المنهج الإسلامي تُطبق داخل هذه المنظمة ليست فقط كسياسات تتبعها بل أيضا كأفراد لديهم تلك القناعات ولكنهم لايعلمون ذلك ربما، من حب الإنتاج و الإجتهاد و الثقة بالنفس و البحث العلمي و المعرفي و الذاتي و الإعتماد على النفس و الدبلوماسية و إحترافية التواصل و الدقة في العمل و الأمانة و الإخلاص و ماغير ذلك مما صفعني صفعة جعلتني أدرك أني كل ما قضيته من عمري حتى تلك اللحظة هو هباء منثورا في مجتمع لا يتقن إلا الكسل و الفشخرة و الزخرشة و الكلام و البلبلة و الإستهلاك الغير متناهي في شتى المجالات!

و من هناك، كانت الولادة الطبيعية المُيسّرة لفكرة تحويل المجتمعات من مستهلكة إلى إنتاجية لتطوير النمو الإقتصادي من خلال مشروع أكياس النايلون الذي أعمل عليه حالياً دون أي إنتقاد ولا أحكام ولا فلسفات، فكانت تلك البيئة لا ترسل إلى هذا الطفل إلا كُل الحب و الإحترام و الفخر بوجوده بيننا و أنه في الحفظ و الصون و أننا في الخدمة ل تنميته طيلة الوقت دون مقابل.

—————

اعتقدت أن هذا الطفل أخذ المناعة الكافية والحماية اللازمة حتى أغادر بثقة إلى المجتمع الآخر لأبدأ فيه فلن يضرني بإستهلاكه لأنني أصبحت شخصاً آخر. فكانت الكارثة أني لم أتعلم حينها أن المناعة الحقيقية تأتي من الداخل مهما كانت كمية الجرعات الخارجية فهي جميعها بلا جدوى! فبدأت منذ سنتين بالإنطلاق بالمشروع و طرقت جميع الأبواب لبحث سبل التعاون و لكن نسيت أني في مجتمع يؤمن ب الغرب يُفصّل و الشرق يلبس! فبعد عدة إجتماعات مع رجال أعمال و قادة مجتمع و نساء يلقبن أنفسهن ب “رائدات أعمال” كانت هذه في مقدمة و ملخص الردود: تبغي تصممي و تصنعي منتجات من مخلفات الأكياس؟ و تبغي تخلي الحريم هم اللي يشتغلو و يصير عندهم مهن؟ و كمان تبغي الحجات اللي يجمعولك الأكياس؟ ما شاء الله ما شاء الله عليكي يا بنتي، الله يوفقك ما شاء الله طموحة (بكل مافي العالم من سخرية و ضحك بدرجات لون صفار البيض ذات الرائحة الزنخة)

—————

تصحبنا إلى غرفة الإجتماع، تلك البنية اللون و كأني في العصر الخمسيني و التي تفوح منها رائحة الأثاث المصنوع من الجلد يناسب طرازها الكلاسيكي البسيط، فأول ما بدأت أبحث عنه هو المعلومات أو عفواً المعايير المنتشرة في مجتمعاتنا التي تؤهلك لتكوني رائدة أعمال من اقتناء عباءة مزكرشة و حذاء يطقطق طقطقة سيمفونية بالإضافة إلى لوحة بيكاسو الفنية على الوجه، و بنت مين، وشلة مين وجامعة إيه  ووو ………. ثم أهمية المشروع و رسالته.

لم أجد سوى عباءة سوداء و الحذاء الناعم و الحجاب و وجه حقيقي لا يعتريه أي لُوح فنية بكل بساطة و جمال. تنصت و كأن ما أتحدث عنه هو يخصها شخصياً بلا مقاطعات هاتفية و لا سكرتيرية و لا تعليق فلسفي و لا أي شيء!
{الدرس الثاني: الجمال في البساطة}


تفتح الدفتر الذي لا يفارقها و تبدأ بتدوين جميع النقاط الرئيسية و المهمة حتى تكون عادلة في حال نسيت هي أو الطرف الآخر ما تم الإتفاق عليه، مهما كانت بساطة التفاصيل! (في نفسي أقول: أين السكرتيرة و لماذا لا تدون محضر إجتماع؟ ولكن هل لديها سكرتيرة حقا؟ فلقد رأيت موظفين و لا أعرفهم! كانت تقوم بذلك بنفسها!)
{الدرس الثالث: الحرص عالعدل}

تقف قليلا و تسأل: شو تشربي يا بنتي؟ 
أنا: لا شيء شكرا، فأنا لا أشرب الشاهي و لا القهوة و لا أخواتها.
هي: تهمس و تعطيني أول درس: وقت اللي بتروحي عند الضيف و يحب يضيفك لأنو مبسوط بوجودك مابصير تقوليلو ولا شي لحتى ماتكسري بخاطرو، فشو تشربي الله يرضى عليكي؟
أنا: كاسة مَيْ (أكسر بخاطرو! ليه عبالك هو أساسا فكر يسأل؟)
هي: يعني بعد كل هالحكي و كاسة مي؟ شو هالجيل! طيب بس هالمرة حمشيها. (تضحك)
{الدرس الرابع: التّساوي}

نعم، أود أن أقدم الدعم لتدشين هذا الحفل البسيط لإطلاق مشروع الأكياس في جدة في مرحلته التجريبية حتى يتم تقييم مدى قبوله في المجتمع من حيث الفكرة أو الإنتاج أو حتى الحرفيات من يعملن على تنفيذ التصاميم و أنا أيضا لدي تواصل مع الكثير من الجمعيات و أعلم الكثير من الحرفيات و أود أن أقوم بتعريفكم بهن إن أردتم ذلك. و كمان عندي كومة أكياس بالبيت، بقدر أجيبلك إياهم؟ :)
و بدأت تسجل النقاط على الدفتر!
و كأنها صفعتني صفعتين في كل مرة تقول لي، أني لا أحلم و أنه و بعد سنتين غير مجديتين من البحث و التواصل مع بعض رجال و سيدات الأعمال و الشركات، لدرجة أني بدأت أشك أنه ربما أنا في البلد الخاطئ لبدء هذا المشروع، تأتي أنت و بكل حكمة و بعد نظر بحكم خبرتك الإستراتيجية في الإستدامة ترين أثر هذا المشروع؟ من أنت أيتها السيدة؟
{الدرس الخامس: الحِكمة}

شهرٌ واحدٌ فقط و تكون إنطلاقة هذا المشروع. كل شيء جاهز! القلوب ترجف من الخوف كما لو أنها سوف تهبط من أعلى جبال العالم لتموت في الهاوية. و لكن هذا ما تعلمناه من مجتمعنا القاتل لكل طموح و لكل شيء يحاول أن يكون جميلاً فهو يستحق أعلى الدرجات دون حتى الإلتحاق بأكبر جامعات العالم، خبرة ماشاء الله. 
كان السقوط في الهاوية جميلاً، فكانت الأنهار تجري كجريان الدم في جسد العاشق و الأشجار الخضراء تذكرك بشدة خضارها على استمرار تنفيذها لعملية التمثيل الضوئي منذ أن بدأ العالم لتغمرنا بالراحة لحظة النظر إليها، و الرائحة المنعشة التي تدخل من مخرجات الأنف مباشرة إلى ذلك العقل لتقول له: قوم بكفي كسل و إهمال و خوف، قوم و كون، رائحة الإنتاج و العمل و الحب و تحدي الخوف بالخوف.
إنه اليوم، إنه ٦ فبراير ٢٠١٣، ليلةٌ لن تنسى! فهي لم تكن ليلة تدشين، بل كانت بابٌ مليء بالخبايا من خلفه و كان فقط في انتظار ذلك الشخص الجرئ الشغوف المليء بالحب و القوة أن يخطو نحوه و يقرع جرسه بجراءة ذلك الطفل الذي يضع يداه في فاه الكلب مداعبا له، لأول مرة دون أن يعلم تبعات ذلك. فساعةً نحن في هارفارد و ساعة نحن في MIT و أخرى في KAUST و أخريات في أسبوع ميلان للتصميم و باريس و ووووو .. ما هذا الذي حدث؟
{الدرس السادس: الشجاعة}

آخر مرة رأيتها حينما كنت مارة بمكتبها لجمع بعض الأوراق والتي كانت قد نسيت تحضيرها لكثرة إنشغالها و كانت في إجتماع في تلك اللحظة. جلستُ و قلت سوف تقوم بتحضيرها الموظفة الإدارية، و لكن سرعان ما عرفت أني وصلت فخرجت مُسرعة من الإجتماع كعادتها تأهل و تحضن و تقبل و تعتذر عن انشغالها و أنها لم تتعمد ذلك النسيان حقاً، و بدأت تقوم بتحضير ذلك بنفسها و بدأت تشرح لي الخطوات بحذافيرها:
با بنتي أوعي تنسي تاخذي صورة و تحفظيها عندك قبل ماترسليها، كل شي لازم يكون موثق وواضح، ما بتعرفي شو ممكن يصير، فهالنسخة بتحل كل أزمة ممكن تصير لا سمح الله، ولا أقلك، تعي معي، نذهب إلى غرفة التصوير حيث تصور الورقة بنفسها و تعطيني إياها قائلة: عشان ماتتعبي حالك بعدين!
{الدرس السابع: التوثيق و الوضوح}

تأخذني من يدي بقوة إلى غرفة الإجتماعات حيث كانت، فأجد نفسي بين ما يقارب ١٠-١٣ شخصاً من مستشارين و رجال أعمال. تقطع الإجتماع بكل أدب و تنظر إلي مع تلك الإبتسامة الخلابة و تقول بأعلى صوت وفخر وثقة وحب ونشاط (لا أعرف من أين تأتي بهم):
قوليلهم يا بنتي، قوليلهم شو بتعملي و ليش طالعة على السيليكون فالي إنت و فريقك!
تذهب مسرعة إلى مقعدها أمامها تأتي بأحد منتجاتنا التي وضعتها أمامها منذ أشهر و كانت عبارة عن “كورة ضغط”، فحملتها في يدها و قالت لهم:
بتعرفو شو هي اللي بإيدي؟ بتصدقو إنها مصنوعة من مخلفات أكياس النايلون؟ بتصدقو إنه السيدات اللي في الأربطة هم اللي عملوها؟ بتصدقو إنو هالفريق نجح بالمركز الأول كأحسن مشروع ذو أثر إجتماعي في الشرق الأوسط من عدة جهات و هلأ طالعين ليتعلمو من المختصين كيف فيهن يطورو فكرتهم؟ (كأنّ المشروع مشروعها هِي بكل حب و شغف)
{الدرس الثامن: الثقة في النفس}

لم تقف هناك و تقول لي بالتوفيق يا بنتي و مع السلامة! تركت قاعة الإجتماع مرة أخرى و مشت معي خارج المكتب حتى و صل المصعد و حضنت و قبلت مرة أخرى و تؤمّني أن أرسل سلاماتها العطرة للفريق و تطلب أن ننتبه على أنفسنا و الإبتسامة لا تكاد تغادرها و العيون اللامعة تشهد على ذلك.
{الدرس التاسع: الشغف}

الكارثة كانت بالنسبة لي، أنها لم يكن لديها أقنعة الأنا تلك التي تكلم عنها الفاضل وليد فتيحي الدكتور و لم أعلم كيف استطاعت أن تصل إلى تلك المرحلة رغم وجود الكثير من الأخطاء لديها مثلها مثل أي شخص آخر فهي بشر قبل كل شيء، كيف استطاعت رغم كل المُغريات من حولها أن لا تكون إلا هي الحقيقية “ماما سوسو”؟
ثم تعلّمت درسي الأخير منها، فلقد كانت تطبق نظام الإستثمار الذكي فجعلت شريكها في كل شيء تعمله هو “الله” جل جلاله، تحدث عن هذا النظام و بكل جمال في خطبة الجمعة الفاضل بدر يماني المدرب يشرح مدى تأثير هذه الإستراتيجية الناجحة لكل مشروع أو رائد أعمال بأن يجعل الله عز وجل شريك النجاح في المشروع! 

فلم تشترط حينها أية نِسب أو شراكات أو استرداد ما تمت توفيره أو حتى ذكر اسمها أو أو أو …. تماما مثل ما فعل معظم من التقينا بهم (بل و جاؤو يباركون و يطالبون بالإستثمار عالجاهز، هم نفسهم من أغلقوا الأبواب أول مرة بسخرية) بعد نجاح المشروع و إرتفاع قيمته في السوق، فكل ما كان همهم الطمع و الجشع و الملايين و الماديات و الاشتراطات الرأسمالية (دخولني شريك وأنا أساعد، غير كدا مافي!) عيني عينك.
أنا لست ضد الإستثمار و لكن ضد التمني و الذل والإهانة و الأنانية و عدم المصداقية و هو أغلب النوع المتوفر الحالي.

يا لذكائها! جعلت الله جل جلاله شريكاً في كل مشاريعها فقضت حياتها تعطي (برعايتها المشاريع المستدامة إما عن طريق الإستثمار في تعليم و تطوير الإنسان كالأيتام أو المشاريع الإنتاجية التنموية) و هو يعطيها بلا مقابل و حتى ما لا نهاية!
ما أعظمك يا الله، حتى الشهادة فلم تبخل بها عليها ولا الإستدامة في ذكراها الخلّابة.
{الدرس العاشر: الإستثمار الذكي}

—————

مدام سناء، 



لا أكتب هذا الكلام عنك بل لكِ، نعم، أنا أعرف أنه يصلك وأنك تقرئينه الآن.

فشُكراً لكِ لأنك لم تقتلي الفكرة في أول لقاء تماماً كما فعل الغير.
شُكرا لأنك لم تقتلي طموح الشباب، كمن يدّعي دعمهم في الإعلام فقط.
شُكرا لأنك كنت مرنة وسلسة وبسيطة في التواصل والتعامل معك لأبعد درجات.
شُكرا لأنك كنتِ أنتِ وحاربتِ لبس الأقنعة المزيفة.
شُكرا لأنك قدمت مثال عملي وعملي وعملي واضح لكسب السعادة في الدارين.
شُكرا لأنك أثبت لِعالَم الأعمال اليوم أنّ أنجح نظام هو نظام “الإستثمار الذكي” بلا شك، العالم الذي تعوّد فصل الدين عن العمل، بل في معظم أموره.
شُكراً لأنك كنتِ من القلائل المطبقون لقاعدة من أهم قواعد الحياة و التي تقول أننا لا نملك أموالنا لنتملّكها بجشع، بل نحن مُستخلفون فيها، فلنُنفقها بنَفَع.

**كان لا بُد أن أذكر مافعلتيه، لعل هؤلاء من يتحجّجن بعدم معرفة الطرق العملية في دعم الإنتاج ونشر الحُب، تكون هذه النقاط مُلهمة بما فيه الكفاية ليصبح لدينا في مجتمعاتنا ليست فقط إمرأة واحدة تقول "نعم" بكل حب، بل نساء كُثر.

ارقدي بِسلام حتى نراكِ والأحبة على خير في القريب العاجل. شكراً لكِ.

—————

2 comments:

  1. تغمدك الله برحمته يا ماما سوسو، ورحم والدتك وزوجك

    ReplyDelete
  2. تغمدك الله برحمته يا ماما سوسو، ورحم والدتك وزوجك

    ReplyDelete